“النظرية الخليلية الحديثة” عند عبد الرحمن الحاج صالح

مقدمة:

تقول النظرية الفلكية: إن ما نراه في السماء من نقاط مضيئة في الليل البهيم ونحسبها نجوما، إنما هي مواقع لنجوم غادرت أماكنها منذ أمد بعيد، وبقيت أماكنها مضيئة متلألئة لملايين السنين، والنظرية نفسها يمكنها أن تصلح للتعبير عن العلماء الذين يغادرون الحياة الدنيا جسدا وروحا، ولكنهم يخلفون وراءهم آثارا تشع بنور إبداعاتهم، وتورث العلم، والأدب للأجيال من بعدهم.

 د. عادل بوديار

نقد معاصر، جامعة العربي التبسي


البروفيسور عبد الرحمن حاج صالح
البروفيسور عبد الرحمن حاج صالح

لقد غادرنا إلى جوار ربه منذ ثلاثة أيام بتاريخ: 05/03/2017 قامة من القامات العلمية المغاربية، والعربية التي شهد لها المحفل العلمي العالمي، والعربي الإسلامي بالتميز، والنشاط، والتجديد في ميدان اللسانيات؛ إنه العلامة البروفيسور اللغوي الجزائري “عبد الرحمن الحاج صالح” رئيس المجمع الجزائري للغة العربية.
وانطلاقا من المكانة العلمية الرائدة لهذه القامة العلمية العربية يكون من واجبنا نحن كمثقفين أولا، وأكاديميين ثانيا أن نترحم على روح هذه الشخصية العلمية ببيان محطات هامة في حياته، وتثمين إسهاماته العلمية التي ستبقى خالدة في التاريخ.

1. محطات في حياة العلامة “عبد الرحمن الحاج صالح”:
ولد عبد الرحمن الحاج صالح بمدينة وهران في 08 جويلية 1927م، وهو من عائلة نزحت من قلعة بني راشد المشهورة إلى وهران في بداية القرن التاسع عشر، تلقى تعليما مزدوجا باللغتين الفرنسية في المدارس الحكومية الفرنسية، واللغة العربية في إحدى المدارس الحرة الجزائرية التي أنشأتها جمعية العلماء المسلمين الجزائريين.
بدأت علاقة العلامة “عبد الرحمن الحاج صالح” باللغة العربية عام 1954 عندما سافر إلى مصر لمواصلة دراسته، أين وجدت في البيئة المصرية مناخا مناسبا للاقتراب من اللغة العربية، فراح يتردد على جامع الأزهر الشريف، ويحضر بعض دروس اللغة العربية، أين اكتشف ذاته من جديد، وتعرف على تراث لغته العربية، فصرف اهتمامه إلى الدراسات اللغوية المعاصرة، وهناك اكتشف أهمية التراث العلمي اللغوي العربي من خلال ما اطلع عليه من كتب لغوية تراثية، واتضح له الفرق الكبير بين وجهات النظر الخاصة بالنحاة العرب الأقدمين، وما يقوله المتأخرون منهم، وكان هذا دافعًا مهمًّا في حياته العلمية، ويبدو أن انخراطه في حزب الشعب الجزائري وهو في عمر 15 سنة، ثم التحاقه بثورة أول نوفمبر الخالدة كان من بين الأسباب التي ربطته إلى تراثه العربي الإسلامي الذي كان منهلا استقى منه معارفه، وموردا غذى رصيده اللغوي الذي طوره بعد ذلك في نظريته اللسانية.
ولكن الظروف حالت دون إتمام العلامة “عبد الرحمن الحاج صالح ” دراسته في مصر، فسافر مرة أخرى إلى فرنسا، وانتسب إلى جامعة بوردو (BORDEAUX)، ثم نزل بعدها بالمملكة المغربية الشقيقة، والتحق هناك بثانوية “مولاي يوسف” في الرباط كأستاذ للغة العربية، واغتنم الفرصة لمواصلة دراسة فتحصل على شهادة التبريز في اللغة العربية، وتكرّم عليه الإخوة هناك في المملكة المغربية فأوكلوا إليه تدريس اللسانيات في كلية الآداب بالرباط باللغة العربية في 1960، وكان هذا الاختصاص يدرس أول مرة في المغرب العربي.
وبعد الاستقلال عاد العلامة “عبد الرحمن الحاج صالح” إلى أرض الوطن، وعُين أستاذًا في جامعة الجزائر، التي صار بها رئيسًا لقسم اللغة العربية، وقسم اللسانيات سنة 1964، ثم انتخب عميدًا لكلية الآداب، وبقي على رأس هذه الكلية إلى غاية عام 1968، وفي السنة نفسها كان يمثل الجزائر والعرب كأستاذ زائر بجامعة فلوريدا (Florida) بالولايات المتحدة الأمريكية أين التقى بالعالم اللساني آنذاك الأمريكي نعوم تشومسكي (Noam Chomsky)، وكان بينهما حراك علمي ترجم في مناظرة حول المسائل اللسانية.
كان البحث العلمي الشغل الشاغل للعلامة “عبد الرحمن الحاج صالح” الذي تفرغ للدراسة، والبحث في علوم اللسان بعدما دعا اللسانيين، والباحثين في العالم العربي إلى إعادة قراءة التراث اللغوي العربي بمنظار علمي بعيد عن التعسف، والاستنطاق، والاعتباط في التأويل، وكانت الفترة التي شغل فيها الدكتور أحمد طالب الإبراهيمي وزيرا للتربية والتعليم في الجزائر آنذاك أهم مرحلة في تاريخه العلمي، أين مكنه الوزير من إنشاء معهد كبير للعلوم اللسانية، والصوتية، وجهزه بأحدث الأجهزة، وأوكل إليه تأسيس مجلة اللسانيات، وكان معهد العلوم اللسانية والصوتية المختبر الذي سمح للعلامة “عبد الرحمن الحاج صالح” بالكشف عن “النظرية الخليلية الحديثة”، التي طرحها في رسالته العلمية التي نال بها دكتوراه الدولة في اللسانيات من جامعة السوربون (Sorbonne) بفرنسا عام 1979.
عُيِّن العلامة “عبد الرحمن الحاج صالح” عضوًا في مجمع دمشق عام 1978، ومجمع بغداد عام 1980، ومجمع عمّان عام 1984، وعضوًا مراسلاً بمجمع القاهرة عام 1988، ثم انتخب عضوًا عاملاً به سنة 2003م في المكان الذي خلا بوفاة الدكتور إبراهيم السامرائي، وهو عضو في عدة مجالس علمية دولية وعضو أيضًا في لجنة تحرير المجلة الألمانية التي تصدر ببرلين، وله 71 بحثًا ودراسة نشرت في مختلف المجلات العلمية المتخصصة (بالعربية، والفرنسية، والإنجليزية) مما رشحه إلى الحصول على عدة جوائز تشجيعية تقديرا لنشاطه العلمي في الجزائر وخارجها، وكان أبرزها جائزة الملك فيصل للّغة العربيّة والأدب سنة 2010 تقديرا لجهوده العلمية المتميزة في تحليله النظرية الخليلية وعلاقتها بالدّراسات اللسانية المعاصرة، ودفاعه عن أصالة النحو العربي، وإجرائه مقارنات علمية بين التراث ومختلف النظريات في هذا الموضوع، بالإضافة إلى مشاركاته في الدراسات اللسانية بحثا، وتقويما، وتعليما.

2. النظرية الخليلية الحديثة:
تقوم النظرية الخليلية الحديثة للعلامة “عبد الرحمن الحاج صالح” على تعريف الدارسين بخصائص علوم اللسان العربي، ومضامينه النوعية انطلاقا من مقولات اللسانيات الحديثة، وقد أثبتت هذه النظرية أهمية قراءة التراث العربي الذي يمثل مستخلصات ثمانية قرون أو تزيد من مخاض التفكير اللغوي عند العرب في ضوء النظريات اللسانية الحديثة، وهذا يعني أن المفاهيم النظرية الأساسية للنظرية الخليلية الحديثة اتجهت إلى إعادة قراءة التراث اللغوي العربي الأصيل، والبحث في خفاياه، ليس انتصارا للقديم، ولا هدما للحديث في ذاته، ولكن بغية التنبيه إلى الطفرة التلقائية المفاجئة التي أحدثها “سيبويه”، وشيوخه، وتلاميذه في تاريخ علوم اللسان البشري بعد أن تحامل عليهم كثير من الدارسين المحدثين الذي تأثروا بالمناهج الغربية الحديثة، ونظروا إلى النحو والصرف العربيين بمنظار قاصر بدعوى أنهما “معياريان”، وأنهما بعيدان عن التصور العلمي للغة، وكان العلامة “عبد الرحمن الحاج صالح” قد فند في أحد محاضراته فكرة انتصاره للقديم، عندما سُئل: هل أنتم من المحافظين؟ فأجاب: ” لست محافظا ولا مجددا، ولكن أبحث عن المفيد. اكتشفنا في القديم شيئا عظيما لم نجده في الحديث، ولو اكتشفناه في الحديث لأخذنا به”.
لقد سعت النظرية الخليلية منذ ظهورها إلى بعث الجديد عبر إحياء المكتسب، فتجاوزت بذلك مرحلة الاقتباس السلبي عند نقلها عن الغرب، أو عند نشرها عن العرب ، وبنت قراءتها للتراث وتأصيل أفكاره علميا، بعيدا عن العاطفة على أساسيين، أولهما: أن التراث العربي لا يفسره إلا التراث العربي، فكتاب “سيبويه” على سبيل المثال لا يفسره إلا كتاب “سيبويه”؛ لأنه من المحال أن نُسقط على التراث مفاهيم، وتصورات لا تأخذ في الحسبان خصوصياته. وثانيهما: أن التراث العربي في العلوم الإنسانية عامة، واللغوية خاصة ليس طبقة واحدة من حيث الأصالة والإبداع.
كما تعلقت النظرية الخليلية الحديثة للعلامة “عبد الرحمن الحاج صالح” بالتراث العلمي اللغوي الأصيل الذي خلفه أولئك العلماء العرب المبدعون الذين عايشوا الفصاحة اللغوية الأولى، وشافهوا فصحاء العرب، وجمعوا اللغة، ودونوها خدمة للنص القرآني المقدس الذي كان يحتاج إلى الفهم، والتفسير، والتعليل في ضوء اللغة العربية النقية.

إن المتأمل في التراث اللغوي العربي يشهد بوضوح اهتمام العلماء العرب القدامى في تحليلهم للظاهرة اللغوية على مفاهيم، ومبادئ لغوية كان لها دورها العظيم في تفسير العلاقات المعقدة المجردة الكامنة وراء اللغة، وكان لها أثرها في تطوير المفاهيم حول الظواهر اللغوية؛ لأنه « من الغريب جدا أن تكون هذه الأعمال [ اللغوية ] التي لا تضاهيها إلا ما أبدعه العلماء الغربيون في أحدث أعمالهم، مجهولة تماما في كنهها، وجوهرها عند كثير من الدارسين، والاختصاصيين المعاصرين » .

3. مشروع الذخيرة اللغوية العربية:
يعد العلامة “عبد الرحمن الحاج صالح” واحد من أهم الباحثين العرب الذي دعوا إلى تبني المنهج البنيوي من خلال مشروع الذخيرة اللغوية العربية عن طريق البرمجة الحاسوبية، وإنشاء جوجل عربي أو البنك الآلي العربي، ويعتمد مشروع الذخيرة على وسائل التكنولوجيا الحديثة (الحاسوب، شبكة الإنترنيت..)، بحيث يتم تخزين، وحيازة الكتب، والمؤلفات العربية القديمة، والحديثة التي لها صلة بالتراث اللغوي العربي بواسطة الحواسيب، وبعد ربطها بمحرك بحث يتم وضعها تحت تصرف كل باحث، ومتطلع عبر موقع في الإنترنيت، وكانت أول فرصة عرض فيها فكرته في مؤتمر التعريب الذي انعقد بالعاصمة عمان سنة 1986، فأوضح أهمية المشروع في البحوث اللغوية والعلمية، خاصة على مستوى توحيد المصطلحات، ورصد المفاهيم، واستثمار وسائل التكنولوجيا الحديثة.
وقد عرضت الجزائر “مشروع الذخيرة اللغوية العربية” على المجلس التنفيذي للمنظمة العربية للتربية، والثقافة، والعلوم في ديسمبر 1988 فوافق أعضاؤه على تبنيه في حدود إمكانيات المنظمة، ونظمت جامعة الجزائر مع المنظمة العربية للتربية، والثقافة، والعلوم في ماي 1991 أول ندوة للمشروع شارك فيها بعض ممثلي الهيئات العلمية العربية، وخرجوا بتوصيات تخص تنظيم العمل، وكيفية المشاركة، ورصد هيئات المتابعة، ومنه تقرر تنظيم ندوة ثانية تجتمع فيها المؤسسات الراغبة في إنجاز المشروع، وتقرر أن يستضيف الندوة مركز البحوث والدراسات العلمية بدمشق سنة 1995، ولكن ذلك لم يحصل، ثم كانت هناك عدة اجتماعات، وندوات، وملتقيات لحصر الأطراف المشاركة أو كيفية مشاركتها أو إقناع بعض الهيئات لتبني المشروع، ومن أهم تلك الندوات هي: الندوة الدولية حول حوسبة الذخيرة اللغوية العربية المنعقدة بالجزائر من 03 إلى 05 نوفمبر 2001، والتي شارك فيها عدة باحثين ودارسين عرب من الجزائر، تونس، المغرب، مصر، الأردن، والكويت، والتي دارت محاورها حول أهمية المشروع، وتوظيف وسائل التكنولوجيا الحديثة لخدمة المشروع، وتطويعها من أجله، من أجل فعالية أكثر،” ومن حسن حظ المشروع أن تبناه المجمع الجزائري للغة العربية، فنظم المجمع بالمشاركة الجزئية لجامعة الجزائر ندوة تأسيسية انعقدت في الجزائر بين 26 و27 ديسمبر، وجمعت تسع دول عربية، وكان آخر اجتماع في السودان بجامعة الخرطوم سنة 2002 أين تقرر أن يقدم اقتراح إلى جامعة الدول العربية للتكفل بالمشروع، وفيه تمت تسمية المشروع بـ:”مشروع الذخيرة العربية” بعد أن كان يسمى بـ: “مشروع الذخيرة اللغوية العربية”، فالمشروع وإن كان في أصله لغويا إلا أنه يتجاوز الجانب اللغوي لشموليته، والمشروع لا ينظر إلى اللغة العربية وآدابها فقط ولا إلى العلوم اللسانية وحدها، وإنما ينظر إلى العلوم الإنسانية والاجتماعية، والعلوم الأساسية، والتكنولوجيا؛ لأن اللغة هي وسيلة الباحث في العلوم.
وفي 14 سبتمبر2004 تبنى المجلس الوزاري لجامعة الدول العربية المشروع بالإجماع، والذي يقوم على أن تكون هناك لجنة قُطرية أو وطنية في كل بلد يترأسها المسؤول المحلي للمشروع (ترشحه حكومته، أو يعينه الأمين العام لجامعة الدول العربية)، وكل واحد من هؤلاء يمثل دولته في الهيئة العليا للمشروع، ويعد المسؤول عن متابعة المشروع في بلده، والتنسيق، والتخطيط في الهيئة العليا، وكل دولة تشكل خلايا الحيازة، والمتابعة، والبحث (كل خلية متكونة من 03 إلى 10 أفراد يشرف عليهم دكتور، ويضاف إليهم مشرف تقني برتبة مهندس حاسوبي)، هذه الخلايا تقوم بمهام حيازة الإرث الضخم من التراث اللغوي العربي وفق برنامج محدد لكل دولة من طرف الهيئة العليا للمشروع، وأن يكون مقر الهيئة العليا للمشروع بمقر المجمع الجزائري للغة العربية، وقد وافقت 18 دولة وقدمت مرشحيها إلى غاية 12 أفريل 2006، وفي27-28 جوان 2009، وتم تنظيم اجتماع بالجزائر ضم ممثلي جل الدول العربية، وهيئة جامعة الدول العربية من أجل تبنيها للمشروع بشكل رسمي نظرا لأهميته العلمية، والفكرية، والحضارية، وعين العلامة عبد الرحمن الحاج صالح رئيسا للمشروع.