الناقد الأديب محمد بومعراف يكتب..

قراءتي في رواية الاعتداء "l'attentat" لياسمينة خضرا

في إحدى الندوات حول رواية "الاعتداء" و التي تتحدث عن ما يسمى بـ"الصراع الإسرائيلي الفلسطيني" قام أحد اليهود من الحضور برمي الرواية في وجه كاتبها ياسمينة خضرا وشتمه لأنه منح صوتا لـ"الفلسطينيين الانتحاريين القتلة".. ربما كنت سأفعل نفس الشيء الذي فعله اليهودي المتطرف برمي الرواية في وجه صاحبها، لكن، طبعا لأسباب معاكسة..

كتب: محمد بومعراف


ياسمينة خضرا

الروائي ياسمينة خضرا

تحكي الرواية قصة طبيب جراح فلسطيني اسمه أمين جعفري يعيش ضمن ما يعرف بـ"عرب 48" يحمل جنسية إسرائيلية ومتزوج أيضا من عربية اسرائيلية متعلمة اسمها سهام، تبدأ الرواية من النهاية بحادثة انفجار يغتال فيها شيخ "متطرف" من المقاومة الفلسطينية بصاروخ إسرائيلي، بعدها يعود الكاتب إلى بداية الأحداث كلها من مستشفى في تل أبيب أين يعمل الطبيب أمين جعفري، ويحظى باحترام ومودة معظم من معه، وتأتيه فجأة حالة طوارئ إثر "تفجير انتحاري" قام به فلسطيني في أحد المطاعم، وخلف حوالي عشرين قتيلا معظمهم أطفال (اختيار مناسب جدا كي تجعل قراء الأربعين لغة الذين ترجمت لهم الرواية يلعنون الفلسطينيين و العرب "قتلة الأطفال" من البداية دون حتى أن يفهموا القضية وفي أي جهة كان يموت الأطفال حقا بالعشرات).

غلاف الرواية

غلاف الرواية

يسارع الطبيب أمين مع زملائه باستقبال الحالات محاولين إنقاذها طول الليل، ثم يغادر منهكا إلى البيت، يفكر أثناء ذلك في حياته مع زوجته سهام والمكانة التي حققها داخل المجتمع الإسرائيلي والحي الراقي الذي يسكنه والامكانات المادية المتوفرة في نوع من الامتنان للدولة العبرية التي منحته ذلك.. يتذكر عددا من أصدقائه اليهود وطيبتهم معه ومساعدتهم له كثيرا و"تسامحهم مع العرب"، ومنهم أحد كبار ضباط الشرطة الذي يعاود الاتصال به حين يصل البيت ويترجاه بلغة أخوية أن يعود فورا إلى المشفى حيث أمر مهم جدا في انتظاره، يعود متعبا بصعوبة فيجد مفاجأة مدوية وهي أن مرتكب "العملية الانتحارية" ليس شخصا آخر غير زوجته سهام، يبقى لفترة مصدوما غير مصدق للأمر، ويحاول أصدقاؤه التخفيف عنه (غريب أن يسارع أشخاص بمواساة شخص زوجته للتو نفذت هجوما "إجراميا" ضد "أطفالهم")؛ وتأخذه الشرطة للاستجواب و معرفة علاقته هو بالهجوم؛ وبعد فترة احتجاز ومعاملة سيئة (أمر طبيعي) يطلقون سراحه؛ يجد أصدقاءه اليهود يواسونه ويدعمونه خاصة زميلته الطبيبة كيم والتي تعامله بحنان وحب وترعاه في بيته وتحضنه وتحممه وتداعب شعره حتى ينام (مشاهد تليق بفيلم مغامرات هيوليودي بين براد بيت وانجلينا جولي، وليس بين عربي متهم بالتواطؤ مع زوجته في عملية إرهابية، ويهودية مات بعض ضحايا العملية من الأطفال اليهود بين يديها، ويفترض بها على الأقل وضع مسافة مع المشتبه به).
يقرر أمين جعفري السفر للجهة الأخرى حيث الضفة الغربية لمعرفة الأسباب التي دفعت زوجته لفعلتها.. يزور مناطق مثل بيت لحم والناصرة وجنين التي تحوي عددا من خلايا "المقاومة الإسلامية"، تتبعه اليهودية كيم "الشجاعة" خوفا عليه من الأذى، يلتقي عددا من أقاربه ويحاول لقاء أحد "شيوخ" المقاومة ليسأله عن موضوع زوجته، لكنه يمنع ويطرد ويضرب كل مرة، وفي الأخير، يلتقيه الشيخ فيخبره أن زوجته بطلة شهيدة وأنه لم يطلب منها القيام بالعملية، لكنها أصرت بعدما رأت معاناة شعبها..
يرفض أمين كل ذلك ويعتبره استغلالا للغير من شيخ يعيش محميا، فيما يرسل آخرين للموت، يكتشف أيضا معاناة الفلسطينيين في الجانب الآخر البائس الذي لم يكن يعرفه هو الذي عاش مرفها في تل أبيب، تقع له عدة مشاجرات و جدل مع أشخاص من "المقاومة" ويطرحون رأيهم فيما يبدو أن كاتب الرواية يعطيهم صوتا للتعبير عن وجهة نظرهم، لكنه يعود يسفههم كل مرة، ويظهر كلامهم غير منطقي، ويلمح أن إسرائيل يجب أن تعطي فرصة أكبر، وتخفف قسوتها على الفلسطينيين كي تلغي حجج "الإرهابيين"، الكاتب يظهر إسرائيل "قاسية في الرد" لكن ليست مجرمة، بل "مجبرة" أن تتعامل كذلك مع أشخاص لا يفهمون لغة الحضارة والحوار، القسوة المبررة والممزوجة بجانب انساني مثلا نجدها في مشهد جرافة إسرائيلية تقوم بهدم بيت فلسطيني كعقوبة على "العملية الانتحارية" لكن الضابط الإسرائيلي يشدد على جنوده أن يتأكدوا أن لا أحد داخل البيت كي لا يكون هناك "ضحايا في الأرواح"، أيضا يلتقي أمين شيخا يهوديا حكيما يعيش فقيرا متواضعا بين الفلسطينيين (بينما يعيش هو مرفها بين الاسرائيليين)، يخبره ذلك اليهودي مثلا أن شارون قرأ التوراة بالمقلوب (في محاولة القول بشكل ساخر أنه اجتهد و أخطأ رغم أنه عالميا لا شيء آخر يمكن قوله في حق شارون سوى "مجرم").
تنتهي الرواية بتفجير سيارة شيخ المقاومة "المتطرف" بصاروخ إسرائيلي كنوع من "العدالة في الانتقام"، الرواية انتقدها الفلسطينيون بشدة بينما رد ياسمينة خضرا غاضبا أنه يدافع عنهم بذكاء، ذكاء يبدو أنه وصل لدرجة الترحيب و الاحتفاء الكبير بالرواية داخل إسرائيل بين مثقفيها و مفكريها حيث قال الناقد الإسرائيلي تسور ارليخ: "هذا الكاتب العربي ليس فقط ينتقد الارهابيين العرب بل يظهر قرفا تجاههم، انه أيضا يكذب فكرة قتل الجيش الإسرائيلي لأطفال جنين ويرفض تقريبا أي تفاهم مع العرب الانتحاريين، إنه شجاع ويستحق التقدير"؛ و اعتبر ارليخ أن قيام امرأة عربية تعيش جيدا في اسرائيل بعملية انتحارية دليل أن المشكل ليس الفقر والقمع (يلمح أن الإرهاب أمر جيني عند العرب).
الكاتب الإسرائيلي الآخر جابي لافاين قال إن الفكرة جيدة، لكنها دون المستوى أدبيا، ياسمينة خضرا كأنه يطلب من اسرائيل أن تمنح فرصة للفلسطينيين ليثبتوا لها أنهم بشر يصلحون للعيش في حضارتها ورقيها، اليهودي المتطرف الذي رمى الرواية في وجه خضرا رأى أنه ماكان يتوجب عليه أن يعطيهم أي صوت من الأساس، ياسمينة خضرا الذي صرح في مجلة "جون افريك" أنه "يتمنى زيارة إسرائيل لكنه يخشى أن يشيطنه الجزائريون والعرب وأعداؤه الغيورون من نجاحه".. حسنا ربما لن يكون تلك الشيطنة سوى "عدالة انتقام" بعد أن شيطن هو الفلسطينيين والعرب بما يكفي في روايته والتي كانت فعلا اعتداء على الحقيقة والتاريخ.